الشنقيطي

60

أضواء البيان

عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَىْءٍ ) * . قوله تعالى : * ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) * . في قوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة * ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ ) * وجهان معروفان من التفسير : الأول أن المراد بالطائر : العمل ، من قولهم : طار له سهم إذا خرج له . أي ألزمناه ما طار له من عمله . الثاني أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة . والقولان متلازمان . لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة . فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال ، وكلها حق ، ويشهد له قرآن فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن . لأنها كلها حق ، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن . أما على القول الأول بأم المراد بطائره عمله فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جداً . كقوله تعالى : * ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) * ، وقوله * ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) * ، وقوله تعالى : * ( ياأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ) * ، وقوله : * ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ) * ، والآيات بمثل هذا كثيرة جداً . وأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة فالآيات الدالة على ذلك أيضاً كثيرة ، كقوله : * ( هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ) * ، وقوله : * ( وَلِذالِكَ خَلَقَهُمْ ) * أي للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم . وقوله : * ( فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ) * ، وقوله : * ( فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى السَّعِيرِ ) * ، إلى غير ذلك من الآيات . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : * ( فِى عُنُقِهِ ) * أي جعلنا عمله أو ما سبق له من شقاوة في عنقه . أي لازماً له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه . ومنه قول العرب : تقلدها طوق الحمامة . وقولهم : الموت في الرقاب . وهذا الأمر ربقة في رقبته